من الذاكرة

مقاهي بيروت القديمة: ذاكرة مدينة على وشك الاختفاء

قليلٌ ما تبقى من تراث لبنان القديم… من أحيائه الشعبية التي كانت تنبض بالحياة، إلى ملامحه ومميزاته التي شكلت هويته الثقافية الغنية. ومن أبرز معالم هذا التراث، المقاهي الشعبية، التي لم تكن يومًا مجرد أماكن لاحتساء القهوة أو تدخين الأرجيلة، بل كانت مسارح لذاكرة جماعية حية، وساحات للحوار الثقافي، وملتقى تمازج فيه البسطاء والمثقفون على حد سواء.
 
كانت هذه المقاهي مرآةً لما يعرف بـ “الزمن الجميل”، وذاكرة حية تحفظ نبض المدن، وعلى رأسها بيروت، التي أحتضنت نخبة من هذه المقاهي على مر العقود. واليوم لم يبق من هذا الأثر سوى القليل، مبعثرة بين أحياء العاصمة وبعض المناطق الأخرى. فبعضها اندثر، وبعضها بقي صامدًا، يقاوم النسيان والتغيير، وبعضها الآخر مجاراة العصر، فلا هو حافظ على أصالته، ولا انسجم مع الحداثة. فيما مضى عدد منها بصمت نحو الإقفال، تاركًا خلفه عبق القهوة وذكريات الأحاديث التي لم تكتمل. ففي جولة ميدانية على ما تبقّى من تلك المقاهي، تجلّت أمامنا صور حيّة من ماضٍ يعانق الحاضر، وإنْ بحذر.



 
مقهى قليلات… حيثُ الزمن لا يتحرّك
 
 يقف مقهى قليلات في قلب حي البربير كواحد من أقدم المقاهي في بيروت، إذ تعود نشأته إلى سبعينيات القرن الماضي. ورثه محمود قليلات عن والده محمد، ولا يزال يدير المكان بروح والده. داخل المقهى، مشهدٌ لا تغيّر فيه: رجال كبار في السن، بعضهم يلعب الورق، وآخرون يدخنون الشيشة العجمي، التي ظلت وحدها تُقدَّم، رغم زحف المعسل والأنواع المستوردة.


مقهى قليلات في البربير، كراسي وأبواب قديمة


يروي محمود قليلات أن مفهوم المقهى تبدّل كثيرًا. فالمكان الذي كان في السابق متنفسًا للناس، وملتقىً للأحاديث والألعاب كالشطرنج والدامة، أصبح اليوم مساحة فردية لا يعرف الزبائن فيها بعضهم بعضًا. في الماضي، كانت المقاهي أشبه بمراكز اجتماعية، وحتى سياسية، اذ احتضنت دعايات انتخابية ومجالس أعيان. أما اليوم، فقد غابت تلك الروح، وكأننا نعيش عزلة جماعية، وتحوّلت أغلب المقاهي إلى ديكورات عصرية، شاشات مسطّحة، وأرجيلة معسل.

محمود يتمسك بالأصالة: “الكراسي الخيزرانية، الشيشة العجمي، ووجوه الزبائن الذين يعرفون بعضهم بعضًا ويدركون قيمة هذا المكان”. ورغم محاولات البعض مجاراة العصر، بقي قليلات وفيًّا لتراثه، وإن كان يشعر أن هذا الوفاء لن يستمر طويلًا، يقول بحسرة:” أبنائي لا يدخلون المقهى أصلاً، وأنا أعرف أنه لن يستمر بعدي”.


رواد قليلات… ورق وأركيلة عجمي وأحاديث لا تنتهي


ويستذكر الزائر القديم خضر الحافي أيام الزمن الجميل، عندما كان الحكواتي يروي القصص ويتفاعل معه الجمهور بالتصفيق، الصفير، والهتافات، وعندما يصل الحكواتي في القصة لحدث حزين تعلو الأصوات ويبدأ الصراخ من قبل الحاضرين احتجاجاً ورفضاً لهذا الموقف. “كان الجميع يجتمعون، نلعب ونتسامر، أما اليوم فأجلس وحدي، أفتش عن رفاق الأمس الذين لم يعودوا يأتون”.


خضر الحافي، أقدم زبون في المقهى


مقهى صليبا .. صراع بين الماضي والحاضر
 
 يقع مقهى صليبا الموجود في منطقة النويري منذُ عام 1950، ويقف شاهداً على تقاطعات الحياة الاجتماعية والسياسية والدينية. أسّسه ميشال صليبا، ويديره اليوم ابنه أسعد، الذي يستعد لتسليمه لاحقًا إلى ابنه، محاولًا المحافظة على إرث المقهى في زمن يتغير بسرعة.


مقهى صليبا في النويري، ذاكرة المثقفين ورواد الكلمة

 يقول أسعد أن المقهى، رغم وجوده في منطقة ذات غالبية مسيحية، كان يستقطب رواداً من جميع الطوائف. كان يرتاده النواب، الأساتذة، المثقفون، وحتى “الأبضايات”، كما يسمّيهم، الذين كانوا يحلون المشاكل اليومية. كان المكان يعج بالزوار، خصوصًا محبّي ألعاب الطاولة والشطرنج والمراهنات على سباق الخيل، التي كانت المفضلة لدى الزبائن القدامى.
 
لكن المشهد تغيّر اليوم. الزبائن تراجعوا، والمقهى فقد جزءًا كبيرًا من شعبيته. حاول أسعد تحديث المكان: أضاف موسيقى، غيّر بعض الصور، استبدل القهوة على الرمل بآلة غازية، وأدخل أصنافًا جديدة من الحلوى. لكنه أدرك سريعًا أن زبائنه المخلصين، لا سيما كبار السن، لا يريدون تغييرات، بل يحنون إلى الماضي. حتى التلفاز أُزيل بعد فترة قصيرة، لأن “الجيل القديم لا يكترث له، بل يأتي ليستمتع بصحبة الأصدقاء”.


رواد المقهى يجتمعون حول الطاولة، يلعبون الورق كعادتهم

ويقول بأسى: “المقاهي مثلنا لا تُدرّ ما يكفي من المال، ولا تحذب الجيل الجديد، وحتى العائلات التي كانت ترتادها، انصرفت إلى عالم آخر.” لذلك بدأ يدخل أجواء عصرية بطريقة بسيطة، كي لا يحدث تغييرًا مفاجئًا وكاملًا. فهو يسعى لمجاراة تطورات وزيادة أرباحه، بعد أن قارن بين دخله ودخل المقاهي الحديثة التي تبيع الشيشة بأسعار مضاعفة. ويؤكد أن ما ساعده على الإبقاء على أسعاره كما هي، هو أن محله لا يزال على “الإيجار القديم”.
 
ويذكر أسعد أن اسم مقهاه ارتبط بسباق الخيل، حيث كان يعرف كمركز يتجمع فيه محبو هذا السباق، الذين يشاركون في لعبة المراهنات. وكان من أبرز رواد هذه اللعبة شخصيات معروفة مثل النائب عثمان الدنا، النائب والوزير الأسبق هنري فرعون، والمفتي الشيخ عبد الباسط الفاخوري، وغيرهم.


تنوع أراكيل العجمي والمعسل في المقهى

أما محمود القادري الملقب بـ ” أبو عمر “، وهو أحد الزبائن القدامى الذي وصفه صاحب المقهى بـ “العميد” لكونه شاهدًا حيًا على نشأة القهوة، فيصف أجواء المقهى في الماضي بأنها كانت عامرة بالحياة، حيث كان الآغوات والبشاوات يرتادونه، والناس يرتدون الطربوش والشروال، ويستمعون إلى الحكواتي الذي يروي قصصًا مثل “عنتر وعبلة”، حتى أن الزبائن كانوا يطالبونه بإكمال القصة قبل أن يغادر.
 
وأشار إلى أن المقهى كانت تُقام فيه الموالد في المناسبات الدينية ورهانات على سباقات الخيل، ولفت إلى أن بعض الرواد كانوا يستدينون لاتمام المراهنات، حيث كانت “سبع ليرات تفتح بيت”، على حد تعبيره.
 
وأضاف أن المقهى تغيّر كثيرًا؛ فالكراسي التي كانت من القش استُبدلت بأخرى حديثة، والجدران التي كانت تعبّر عن التراث باتت مطلية، كما تبدلت الأزياء من الطربوش والشروال إلى البنطال والقميص.
 
وأكد أن المقهى كان مركزًا جامعًا للأفراح والأحزان وحتى الانتخابات، وكان الناس فيه كالعائلة الواحدة، يتشاركون الأحاديث. وتجري بينهم مباريات على طاولة الزهر وسط تشجيع الجميع.


مقهى الوحش في طريق الجديدة: ملتقى الجميع وموطن الألفة


دوغان… أكثر من مئة عام من الألفة
 
في أحد أزقة بيروت القديمة، في طريق الجديدة، لا يزال مقهى دوغان، الذي تجاوز عمره المئة عام، صامدًا، محافظًا على نبضه رغم كل التحديات. يديره محمد دوغان، الذي ورثه عن والده حبيب، ويتحدث عن التغيرات التي عصفت بثقافة المقهى وزبائنه.


أبواب عتيقة تروي حكايا الزمن الجميل

“كان الناس قلوبهم على بعض. اليوم، كلٌّ في حاله. لا أحد يسأل عن الآخر. حتى الجلسات تغيّرت؛ من دفء العائلة إلى برودة الفردانية”، يقول محمد بأسى.

 ويضيف أن المقهى كان في الماضي مركزًا أساسيًا في الحي: يُحتفل فيه، يُعزّى، تُدار فيه الحملات الانتخابية، وتُحل فيه الخلافات. أما اليوم، فقد أصبح وجهة عابرة لأفراد يأتون منفردين، يجلسون على طاولاتهم، يدخنون المعسل، ويرحلون.

ورغم محاولاته جذب الزبائن الشباب عبر تعديل الديكور وتخصيص زاوية عصرية تضم شاشة تلفاز وموسيقى خفيفة، لا يُخفي محمد قلقه من المستقبل: “هذا الجيل لا يعرف قيمة المقهى. هم أبناء الإنترنت، لا العلاقات”.


لمسة عصرية تسعى لجذب رواد المقهى وتجديد تجربة الزائرين

زبون قديم يجلس في الزاوية المقابلة، يقول: “كنا ننتظر بعضنا بعد الظهر، نجلس صفًا واحدًا، نلعب الورق، ونتبادل الضحكات. اليوم، حتى من كان يأتي يوميًا، أصبح يأتي مرة في الأسبوع. المقهى لم يعد بيتنا الثاني، بل محطة مؤقتة”.
 ويضيف أن الإنترنت قضى على فكرة “الزبون الدائم”، فبعد أن كان الزبائن شبه مقيمين، باتوا مجرد عابري سبيل، لكل منهم قصة.وأشار الى أن معظم المقاهي التقليدية ستُقفل قريبًا، لأنها لم تعد تلقى إقبالًا كما في الماضي.
 
ما بين مقاهي قليلات،صليبا، الوحش، ودوغان، تتجلى حكاية مدينة كانت المقاهي فيها رئةً للحياة الاجتماعية. اليوم، تخوض هذه المقاهي معركتها الأخيرة في وجه التغيرات الثقافية، والاجتماعية، والاقتصادية. يحاول أصحابها الصمود في وجه طوفان الحداثة، متشبثين بجدران مليئة بالصور، وكراسي من القش، وأحاديث لا تُقال إلا على فنجان قهوة.
 
لكن السؤال يبقى: هل سنعيش زمنًا تُطوى فيه صفحة المقهى الشعبي في بيروت؟ أم أن روح المدينة ستنتصر، ولو بعد حين؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى