من الذاكرة

الحكواتي جهاد درويش: لا أحفظ الحكاية.. بل أسكنها

في زمن تصمت فيه القصص، وتغرق فيه الذاكرة تحت ضجيج الشاشات، ينهض جهاد درويش من بين ركام الشتات، حاملًا في صوته عبق الأمهات وأهازيج الجدات. حكواتي من بلدة المروانية جنوب لبنان، مواليد عام ١٩٥١، يقيم اليوم في فرنسا، لكنه لم يغادر يومًا ذاكرته الأولى: الحكاية. في طفولته بقريته الجنوبية، لم تكن هناك كهرباء ولا تلفاز، بل كانت الأم تنير العتمة بكلمة، والجار الفلسطيني يروي ما تنسجه الروح من خيال وحنين، وهكذا شيدت عوالمه الأولى.


جهاد درويش لا يحفظ القصص، بل يسكنها كأنها بيت طفولته

يمارس جهاد فن الحكواتي باحتراف منذ أكثر من ٤٣ سنة، الحكاية عنده ليست مهنة، بل “علاقة غرام”، كما يقول. يلازمها كحبيب، يمشي معها، يأكل ويصحو على وقعها. لم يأتِ إلى فن الحكاية من باب الدراسة، بل من باب الشغف والمراقبة. درس الفيزياء والرياضيات لمدة سنتين، ثم سنة في المعلوماتية، قبل أن يُكمل دراسته في الأدب العربي. ومع ذلك لم يتلقَ أي تدريب رسمي في فن الحكاية، بل تعلمها من مرافقة من كانوا يروونها: والدته، وجارته الفلسطينية التي رمتها النكبة الى لبنان. “تغديت من حكاياتهن كما يتغذى الطفل من الحليب”، يقول.

أول مرة حكى فيها حكاية كانت في فرنسا عام ١٩٨٣. يومها، كما يروي، كان يعيش مزيجًا من الخوف والحماس، لأنه للمرة الأولى سيواجه جمهورًا بحكاية. “لا أنسى هذه المرحلة، والناس شجعتني”.  كان قد ترك لبنان، وكانت الحكاية عمليًا تبلسم جروح هجرته.


جهاد درويش لا يروي ليُبهر، بل ليمنح المستمع حرية أن يتذكر أو يضحك أو يرفض

“لا أحفظ الحكاية، بل أسكنها”، يردد، حتى تغدو كأنها ذكرى عاشها بالفعل. فمن ألف ليلة وليلة الى ملاحم جلجامش، من الحكايات الكرديّة الافريقية الى شهادات نساء في ميدان التحرير، من وجع الحرب في لبنان، الى قصص فلسطين القديمة والمعاصرة، يجمع درويش في صوته ما تناثر من تاريخ ومقاومة وحنين.

يعرّف الحكاية بأنها “عمل أدبي شفهي، له هيكل ثابت، لكن الحكواتي يصبغها بروحه”، فكل راوٍ يحمل نصه في نبرة صوته، في إيقاع أنفاسه، وفي نظرته الى المرأة، الى الطفل، الى العجوز. ولأن الحكاية عنده فعل حرية، يصر على أن الحكواتي لا يلقّن العبرة، بل يتقاسمها، لا يعظ، بل يعرض الفن، ويمنح المستمع حرية الفهم أو الضحك أو حتى الرفض.

“الخوري والشيخ والحاخام كفوا لاعطاء الموعظة… أما أنا فأروي الجمال”، يقولها بإيمان عميق.

يمتلك جهاد طقوسه الخاصة قبل أن يعتلي المسرح، فهو لا يدخل على الجمهور الا محملًا بالجمال: يمشي في الطبيعة، يسمع الزجل، يرتب في ذهنه موسيقى وأشعار لأحمد شوقي. وعندما تحين لحظة الدخول، يتقدم حافي القدمين، متمسك بشمعة، يطفئها في ختام العرض، لكن ان أطفأها الهواء قبل الأوان، يشعر بالخذلان. وقبل أن يبدأ الحكاية، يحمّس نفسه ليحكي للناس، ويتفادى الاطالة أو الحشو:” أتحاشى الثرثرة، الكلام الزايد، أستعمل لكل صورة كلمة أو جملة محددة، أي أحب المباشرة وأترك للمستمع تنمية خياله”.


جهاد درويش لا يخشى أن يمضي، لأنه يعرف أن الحكايات التي أحبها… ستبقى
جهاد درويش لا يخشى أن يمضي، لأنه يعرف أن الحكايات التي أحبها… ستبقى

يشدد جهاد على أن النساء كن دائمًا أول الحكواتيات. والدته وجارته الفلسطينية هن أول من غذى خياله. ولذلك يرى في مكانة المرأة قضية مركزية، ويبحث في كل حكاية عن احترام الآخر، الطفل، العجوز، والطبيعة.  ويقول ان الحكاية لم تؤثر فقط في تكوينه الفني، بل في نظرته للحياة، وللإنسان والمرأة والطفل.

الحكاية عنده ليست مجرد قصة، بل مرآة للواقع، وخيال للمستقبل. هي وسيلة للتربية، للشفاء، للمقاومة، ولإحياء الذاكرة. فقد روى حكاياته في السجون والمستشفيات، مع مرضى الزهايمر، أطفال الشوارع، وذوي الاحتياجات الخاصة. “عندما يعود النور الى عيونهم، اعرف ان الحكاية فعل حب”، يقول، وهو لا ينسى العرض الذي أضاء فيه نظر امرأة مصابة بالزهايمر بعدما كانت عيناها غائبتين عن الزمان.

ينقل اليوم فنه إلى الأجيال الجديدة، فهو يُعرف بلقب “أب الحكواتيين”، وهو يراه “لطفًا من الناس”، لكنه يؤكد:” أشعر أن الجيل الجديد من الحكواتيين هم اخوتي الصغار”، وقد درب معظمهم خلال ورش عمل مختلفة. لا يمتلك أكاديمية خاصة، بل يقيم دورات تدريبية صغيرة (حوالي ٥ أيام) أو طويلة (تصل إلى سنة ونصف) بدعوة من مراكز ثقافية أو مهرجانات للحكاية في فرنسا، كندا، لبنان، ودول متعددة. هذه المراكز تتكفل بالإدارة، بينما هو يديرعملية التعليم، التي تقوم على نقل الحكاية من النص المكتوب الى الشفوي، وعلى الأداء، الإلقاء، الصوت، الجسد، والحضور. لا يعتمد منهجًا أكاديميًا، بل، كما يقول، يشتغل على “السليقة” أي القدرة الفطرية على التعبير والتواصل بطلاقة.


جهاد درويش يروي الحكاية بحرية الروح وجمال الصوت

يكتب جهاد الكتب، وقد نشر نحو ٣٥ كتابًا، منها: الحكاية الشرقية، الأدب الشفهي في لبنان، وحكايات الدرويش. لكنه في الأصل حكواتي شفهي، يقضي شهورًا مع الحكاية حتى تتنفس بأسلوبه، وتتشكل على إيقاع صوته ونظرته. ويرى أن الحكاية لا تتعارض مع التكنولوجيا، بل تتكيف معها، من المطبعة الى الانترنت. ويؤكد:” عثرنا على حكايات سومرية وبابلية محفوظة.. لا يمكن لعصر أن يخلو من الحكاية”.

بالنسبة له، الجمهور شريك في الحكاية، وهو لا يتوقع منه شيء الا الصدق. يحكي لأنه يحب أن يروي، ويتمنى أن يحبها الأخر. فالحكاية حرية أي “حرية السامع في التلقي وحرية الراوي في الاختيار”.

“أنا لا أفرض مغزى، أروي فقط ما أحب”، يقول. وإذا ضحك المستمع، أو تذكر طفولته فهذا يكفي بالنسبة له.

يعمل جهاد مع الصغار كما مع الأطفال. يؤمن أن لا مجتمع يتقدم دون خيال، والحكاية هي بذرة الخيال. احدى القصص التي لا تنسى له، كانت حين قال له مريض بالزهايمر: “ذكرتني بجدي، حين كان يروي لي الحكايات”.

علم بناته فن الحكاية، فصرن حكواتيات بدورهن. ولا يرى نفسه نجمًا، بل خادمًا للحكاية. “الحكاية تصل، حتى إن نسي من رواها”، هكذا يختصر فلسفته. فكم من شخص قابله بعد ثلاثين عامًا، لم يتذكر اسمه، لكن قال له” أنت من رويت لنا تلك الحكاية…”.

جهاد درويش ليس راويًا عابرًا. إنه حامل ذاكرة ومقاوم بالكلمة، وباحث في تفاصيل الانسان. وهو يعرف تمامًا أنه، كما يقول، سيمضي يومًا، لكن الحكايات التي أحبها ستبقى”…

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى