الأرمن في برج حمود: شعب داخل وطن وحفظ مستمر للتراث والهوية

منذ أن لجأ الأرمن إلى لبنان مطلع القرن العشرين هربًا من المجازر العثمانية عام 1915، لم يكونوا مجرد لاجئين عابرين، بل أصبحوا جزءًا لا يتجزأ من النسيج اللبناني. بنوا لأنفسهم مجتمعًا متماسكًا، حافظ على لغته وثقافته وعاداته، واستطاع مع مرور العقود أن يتحوّل إلى مكوّن أساسي من الهوية اللبنانية المعاصرة، بكل ما تحمله من تعدد وتنوّع.

الأرمن الذين وفدوا أولًا من تركيا مرورًا بسوريا، ثم في دفعة ثانية من لواء إسكندرون عام 1939، استقروا في مناطق مثل برج حمود، عنجر، الأشرفية، جبل لبنان،وطرابلس. لم تكن هجرتهم إلى لبنان عابرة، بل استقرارًا طويل الأمد ساهم في بناء حيّز ثقافي وديني واقتصادي فاعل. ورغم غياب الإحصاءات الرسمية، تشير تقديرات إلى أن عدد الأرمن في لبنان يتراوح بين 70 و160 ألف نسمة.
من رماد الإبادة إلى بناء المؤسسات
خرج الأرمن من جحيم الإبادة الجماعية بجرحٍ عميق، لكنه لم يمنعهم من التأسيس لحياة جديدة. خلال عقود قليلة، شيّدوا مؤسساتهم التربوية والدينية والخيرية. بنوا المدارس والكنائس والأندية الرياضية، وأسسوا صحفهم وجمعياتهم، فأنشأوا بيئة نابضة تنقل اللغة والذاكرة من جيل إلى آخر.


لبنان أصبح موطنًا لثلاثة مراكز كنسية أرمنية رئيسية: كاثوليكوسية بيت كيليكيا للأرمن الأرثوذكس، بطريركية الأرمن الكاثوليك، ومجلس الكنائس الإنجيلية للشرق الأدنى. وقد ساهم وجود هذا التنوّع الطائفي في إطار النظام السياسي اللبناني الذي يضمن حرية الطوائف، في حماية الهوية الأرمنية واستمراريتها.
التعليم واللغة: حِفاظ يتجاوز الأجيال
اللغة الأرمنية هي العمود الفقري لهوية الجالية. ويشكّل الحفاظ عليها تحديًا كبيرًا في أي بيئة متعددة، لكن الأرمن نجحوا في ذلك من خلال منظومة تعليمية قوية، تبدأ من رياض الأطفال ولا تنتهي إلا عند التعليم العالي.
تعتبر جامعة “هايكازيان” التي تأسست عام 1955، أبرز مؤسسة تربوية أرمنية في الشتات، وهي الوحيدة من نوعها في الشرق الأوسط. إلى جانبها، تنتشر في لبنان 26 مدرسة أرمنية تضم أكثر من 8 آلاف طالب. هذه المدارس تدمج المنهاج اللبنانية الرسمية مع التعليم الأرمني، ما يعزز اندماج الطلاب في المجتمع دون التفريط بجذورهم الثقافية.
الصحافة: حارس الذاكرة الجماعية
للصحافة الأرمنية في لبنان دور محوري في حفظ الثقافة والهوية. تصدر صحف يومية ناطقة باللغة الأرمنية مثل “أزتاك “لحزب الطاشناق، “أرارات “لحزب الهنشاك ، و”زارتونك” لحزب الرامغفار، وهي تمثل الأحزاب الثلاثة الكبرى في الجالية، وكانت على مدى عقود منابر تعبير عن هموم الشتات وقضاياه، خاصة في ظل غياب صحافة أرمنية في دول مجاورة كسوريا. إلى جانب الصحف، تبثّ إذاعتا “صوت فان” و”راديو سيفان” برامج موجهة للجالية.

مجتمع منغلق مفتوح: فيتو ثقافي لا عزلة اجتماعية
يقول الأرمن إن القومية لديهم تسبق الدين: “نحن أرمن قبل أن نكون مسيحيين”. هذا التعبير يلخّص كثيرًا من فلسفة بقائهم. فعلى الرغم من اتهام البعض لهم بالانعزال، إلا أن هذا الانغلاق لم يكن اجتماعيًا بل ثقافيًا، هدفه حماية اللغة والهوية.
الجيل الأول كان لا يتحدث غير الأرمنية، ما عزز من ميله لتكوين مجتمع خاص به، خاصة في برج حمود. لكن الأجيال التالية اندمجت تدريجيًا في الحياة اللبنانية، وأتقنت العربية، وشاركت في الاقتصاد والتعليم والسياسة، دون التخلي عن تراثها.
الاقتصاد والمطبخ: من الأفران إلى المانتي
ساهم الأرمن في تطوير الحياة الاقتصادية في المناطق التي سكنوها، خصوصًا في الصناعات الحرفية والغذائية. أحد أبرز الأمثلة على ذلك هو “فرن غازار” في برج حمود، الذي فتح في عام 1960، وبعد عشر سنوات أفتتح بجانبه مطعم عريق يقدم الأكلات الأرمنية مثل “المانتي”، “الإيتش”، “السوبراك”، و”كبة العدس”.


وفي عالم الحلويات، يحتل “السربورما” و”شاروتس” مكانة خاصة، وهي حلويات تقليدية تُحضّر من العنب والجوز، وتُجفف في الشمس، وتُغمس في دبس العنب المعطر بالقرفة والقرنفل.


عادات وتقاليد: الفرح والحزن بطقوس خاصة
الفرح الأرمني يحمل طابعًا تراثيًا خاصًا، أبرز مظاهره ليلة الحناء التي يقيمها أهل العريس بحيث يضعون على صينية تفاحة وعلى الجوانب الشمع ويضعون حنة للعروس، كما أن “سرقة” شيء من منزل أهل العروس تقليد رمزي. وفي حفلات الزفاف، تعلّق عائلة العروس أشياء على الشجرة وعندما يذهب العريس لأخذهم يتم ضربه.
أما الحزن، فله وجه آخر ، حيث يمتد العزاء لأربعين يومًا، يقوم خلالها الأقارب بإحضار الطعام يوميًا،لكن اليوم الوضع الاقتصادي دفع بالكثيرين للاكتفاء بثلاثة أيام فقط.
التراث الحيّ: من وارطان إلى الرقصات الشعبية
يلعب القديس “وارطان ماميغونيان”، الخوري الذي استشهد دفاعًا عن إيمانه وقوميته، دورًا رمزيًا في الذاكرة الأرمنية، وتُعلّق صوره في كثير من البيوت.
الجمعيات مثل “أمسكايين” تهتم بإحياء التراث من خلال تدريب الأطفال والشباب على الرقصات الأرمنية التقليدية،وتعلمهم أكثر على كل ما يتعلق بالتراث الأرمني من تطريز ،حرف يدوية، وفلكلور.كما تقيم صالات الفن الأرمنية في بيروت معارض دورية لأعمال الفنانين الأرمن، ما يعكس حضورًا حيًّا للفن والهوية.
ذاكرة الإبادة: الحضور المستمر للغائب
رغم مرور أكثر من قرن على الإبادة الجماعية، لا تزال هذه الذاكرة حاضرة بقوة. الأرمن في لبنان، كما في باقي أنحاء العالم، يحيون في 24 أبريل “يوم الشهيد الأرمني”.ويضعون في جميع أحيائهم شعارات تدعو لمقاطعة المنتجات التركية، وتترافق غالبًا مع صورة الطير الذي يرمز للعلم التركي، وعليه علامة “X”.

هذا الإحياء ليس فقط تأكيدًا على ما جرى، بل هو تعبير دائم عن أن الذاكرة لا تُنسى، وأن الشتات مهما طال لا يعني الانفصال عن الجذور.
إن إنخراط الأرمن في المجتمع اللبناني جعل من الأرمني ليس مجرد أقلية مهاجرة، بل بات جزءاً فاعلاً في النسيج اللبناني، يتميّز بقدرته على الاندماج دون الذوبان، وعلى الحفاظ على هويته دون انغلاق. وهكذا، يشكل الأرمن في لبنان نموذجاً حيّاً لقوة الثقافة في بناء المجتمعات وصونها في وجه التحديات.