المشهد

الأسرى اللبنانيين بين جمود الدولة واستغلال إسرائيل:متى ينتهي الإنتظار؟

لا يقلّ ملف الأسرى اللبنانيين أهمية عن سائر الملفات الساخنة في لبنان، إذ لا يزال مصير 16 أسيرًا لبنانيًا مجهولًا منذ الحرب الأخيرة مع إسرائيل. ورغم مرور فترة على انتهاء المعارك، لم تُكشف أي معلومات دقيقة عن أماكن وجودهم أو أوضاعهم.

يمثل هذا الملف ورقة ضغط حساسة، وبينما يترقب اللبنانيون حلًا سياسيًا يطوي هذا الجرح، تبقى عائلات الأسرى معلقة بين الأمل والوجع، مطالبة بكلمة واحدة: أين أبناؤنا؟


من اليمين الى اليسار: حسن جواد، ابراهيم خليل، محمد جواد
من اليمين الى اليسار: حسن جواد، ابراهيم خليل، محمد جواد

وضاح يونس

 

قائمة الأسرى ومصيرهم المجهول

يضم ملف الأسرى اللبنانيين لدى اسرائيل 16 اسمًا، هم: يوسف مصطفى عبد الله، إبراهيم منيف خليل، حسن عقيل جواد، القبطان عماد فاضل أمهز، وضاح كامل يونس، حسين علي شريف، علي حسن ترحيني، فؤاد قطايا، علي يونس، الصياد محمد علي شقير (المختطف من الناقورة)، حسين أمين كركي، حسن أحمد حمود (من بلدة الطيبة)، مرتضى حسن مهنا (شرطي بلدي من مارون الراس)، علي فنيش (أُخذ من قاربه في عرض البحر بتاريخ 5 حزيران)، ومحمد عبد الكريم جواد. بحسب الجمعية اللبنانية للأسرى المحررين.

من بين هؤلاء ٦ أسرى عسكريين أُسروا خلال الحرب، بينما التسعة الآخرون مدنيون جرى احتجازهم بعد وقف إطلاق النار. وتُخضعهم إسرائيل لظروف احتجاز توازي الإخفاء القسري، مع منع زيارة الصليب الأحمر الدولي لهم.


الصياد علي فنيش

فيما تشير بعض المصادر الإعلامية الإسرائيلية غير الرسمية الى وجود ما بين 18 و20 أسيرًا لبنانيًا، في حين يلتزم الإعلام الرسمي الصمت، ما يثير تساؤلات حول العدد الحقيقي وحقيقة الوضع القانوني والإنساني لهؤلاء المحتجزين.


توقف الملف: دولة عاجزة وإسرائيل مستفيدة

ورغم أن ملف الأسرى أدرج ضمن بنود اتفاق وقف إطلاق النار، الذي ضمّنته الدولة اللبنانية، لكن عدم قدرتها على الضغط الفعلي على إسرائيل أدى إلى تجميد الملف. ويرتبط الجمود أيضًا بضعف القرار السياسي اللبناني وتداخل السلطات، مما يمنح إسرائيل حرية التصرف والتمسك بالأسرى كورقة ضغط تستخدمها مرحليًا ضد المقاومة، استنادًا إلى قناعتها بأن حزب الله لا يتخلى عن أسراه، حتى لو كانوا شهداء، كما حدث عام 2006.


إصابات موثقة وشهادات حية

سُجّلت إصابتان بين الأسرى: حسين أمين كركي الذي أصيب برصاص في ذراعه وظهره بعد استشهاد والدته، وعلي حسن ترحيني، الذي أُصيب في بلدة العديسة بطلقة متفجرة في البطن، ما أدى إلى مضاعفات صحية، وهو حاليًا محتجز في سجن الرملة. ووفق شهادة الأسير المحرر حسين قطيش، فإن المدنيين والعسكريين اللبنانيين محتجزون في سجن عوفر، ولكن في أقسام منفصلة.


الأسير المحرر حسين قطيش

علي ترحيني، تم اسره في العديسة

 

تواصل مقطوع وتحركات قانونية بلا نتائج

تواحه الجهات اللبنانية صعوبات كبيرة في الوصول الى معلومات دقيقة من الداخل الفلسطيني بسبب الحصار الإسرائيلي المتشدد، وخاصة بعد تغير طبيعة الحرب الأخيرة. الفلسطينيون يتعرضون لضغوط كبيرة، ما يصعّب نقل المعلومات أو المساعدة.

تقتصر الخطوات القانونية الحالية على تقديم طلبات من أهالي الأسرى الى للصليب الأحمر الدولي، بشأن أبنائهم المفقودين. وهو بدوره يتواصل مع الجانب الإسرائيلي. لكن إسرائيل كثيرًا ما تنكر وجود الأسرى، أو تتجاهل الرد، تبعًا لمصالحها السياسية.


إتصال يفتح باب الاحتمالات… واعتقال بلا تبنٍ

في حادثة نادرة، تواصل الأسيرعلي فنيش مع عائلته بعد عشرة أيام من اعتقاله، باستخدام ما قال إنه هاتف تابع للصليب الأحمر. هذا الاتصال أثار تساؤلات حول نوايا إسرائيل: هل سمح له بالاتصال كرسالة غير مباشرة من إسرائيل؟ أم تم تهريب الهاتف عن طريق فلسطينيين؟


الأسير علي فنيش

 

أُعتقل القبطان عماد فاضل أمهز في البترون أثناء عمله. في البداية، ظنت عائلته أن الأمن العام اللبناني هو من احتجزه، لكن بعد ثلاثة أيام تبيّن أن إسرائيل هي الجهة المسؤولة، دون معرفة الأسباب حتى اليوم أو اعتراف رسمي بوحوده.


 

الجمعية اللبنانية للأسرى: متابعة مدنية لملف مغيّب بالكامل

منذ عام 1988، تتابع الجمعية اللبنانية للأسرى والمحررين ملف الأسرى من الناحية الإعلامية والاجتماعية، وتقدم الدعم لعائلات الأسرى وتساعد المحررين على استكمال تعليمهم وحياتهم. وتتعاون الجمعية مع جهات فلسطينية ولبنانية أخرى معنية بالقضية. فيما يخص الأسرى الحاليين، تتولى جهة أخرى خاصة لدى حزب الله متابعة الملف، ويبقى موقفه مراقبًا ومتريثًا، تاركًا المجال للدولة لتحدد خياراتها.


احمد طالب

تدعو الجمعية إلى وجود دولة قوية ذات سيادة تستطيع التحرك لاستعادة أبنائها الأسرى. رئيس الجمعية، الأسير السابق أحمد طالب، توجه إلى أهالي الأسرى طالبًا منهم التحلي بالصبر والدعاء، مجددًا الثقة بأن هناك مقاومة لا تتخلى عن أسراها. ودعا الشعب إلى الوقوف بجانب العائلات التي تعيش حالة فقدان مستمرة دون معرفة مصير أبنائهم. في تعليق ساخر، قال طالب: “أطلب من المجتمع الدولي أن يكون نزيهًا”.

 

شهادة الأسير المحرر حسين قطيش

روى الأسير المحرر حسين قطيش تفاصيل الاعتقال وظروف احتجازه القاسية، قائلاً إن الأسرى كانوا معزولين بالكامل عن العالم، لا يعرفون شيئًا عن ذويهم، ولا يعرف ذووهم عنهم شيئًا. الطعام كان بالكاد يُقدّم لإبقائهم أحياء، والرعاية الطبية معدومة، وكان الأسرى الفلسطينيون يتكفلون بمداواتهم ويهتمون بهم أكثر من أنفسهم.

في 11 آذار، نُقل قطيش دون إشعار مسبق إلى رحلة الإفراج التي استغرقت عشر ساعات وانتهت بتسليمه للصليب الأحمر في الناقورة. لم تُعرف أسباب الإفراج عنه دون غيره، ولم تلعب أي جهة دولية أو رسمية لبنانية دورًا في العملية. أكد أن عائلته لم تتلقَ أي معلومات عنه خلال الاحتجاز، رغم المحاولات المتكررة للتواصل مع الجهات الرسمية والدولية.


سجن عوفر… شهادات من الداخل

لم يلتقِ قطيش خلال فترة اعتقاله سوى بأسير لبناني، وهو رفيق زنزانته علي ترحيني، ووضاح يونس، ابن قريته، المحتجز في سجن عوفر. نقلوا جميعًا الى زنزانة مخصصة للمصابين، لكن ذلك لم يمحمهم من التعرّض للاقتحامات والحرمان من الغذاء والعلاج، ما تسببت بمضاعفات صحية خطيرة، وصلت في حالة ترحيني الى التهابات وجراح كادت تؤدي الى شلل.


سجن عوفر

وأشار قطيش إلى أن أكبر مخاوفهم خلال الاحتجاز كان النسيان، سواء من الدولة أو وسائل الإعلام. وعند الافراج عنه، لم يسمح له بوداع رفاقه أو حتى أخذ أغراضه.


 

ملف الأسرى… أداة للابتزاز السياسي

في اليوم نفسه الذي أُفرج فيه عن بعض الأسرى في ١١ آذار، أعلن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ربط مصيرهم بثلاثة ملفات تفاوضية مع لبنان: قضية المحتجزين، التلال الخمسة المحتلة، وترسيم الحدود البرية. بهذه الخطوة، تستخدم إسرائيل الأسرى كأداة للضغط السياسي والتفاوض على السيادة والحدود والاعتراف الدبلوماسي باللحان الخمسة، ما يندرج ضمن مفهوم “أخذ الرهائن” وفقًا للقوانين الدولية.


يلقى ملف الاسرى اللبنانيين من الملفات الحساسة التي لم تجد حلًا بعد. عائلاتهم تنتظر إجابات، واسرئيل تستخدمهم كأداة ضغط سياسية. التحدي الأكبر الآن هو أن تتحرك الدولة اللبنانية بجدية لاستعادة أبنائها وانهاء معاناة ذويهم، قبل أن يظل هذا الملف جرحًا مفتوحًا لفترة أطول. هل سيستمر ملف الأسرى رهينة لجمود الدولة وتريث حزب الله، أم أن هناك بوادر حقيقية لتحرك فعال قريبًا؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى