الموسيقى العربية بين الطرب الأصيل وموجة الأغاني السريعة

الموسيقى هي لغة الروح وجسر التواصل بين الإنسان ومشاعره. هي غذاء للوجدان، وملاذ للراحة النفسية، وأداة تنير دروب الأحاسيس وتلهب الخيال. في الثقافة العربية، لم تكن الموسيقى يومًا مجرد تسلية، بل كانت تعبيرًا عن هوية وتراث عميق الجذور، يحمل في ثناياه قيم الجمال والذوق الرفيع.
لكن مع تسارع وتيرة التغيرات الثقافية والاجتماعية، بدأنا نشهد صراعًا واضحًا بين لونين موسيقيين: الطرب الأصيل الذي يمثل التراث الموسيقي العريق، وبين موجة جديدة من الأغاني التي تعتمد أساليب حديثة تبدو في كثير من الأحيان بعيدة عن روح الطرب الشرقي.
كان الطرب يتسم بعذوبة الكلمة وعمق المعنى وجمال اللحن. فصوت أم كلثوم، على سبيل المثال، لم يكن مجرد صوت جميل، بل كانت تجربة فنية متكاملة، تحمل في كلماتها ومقاماتها مشاعر الإنسان وعواطفه، مثلما حدث في أغنيتها الشهيرة “الأطلال” التي تستحضر الحنين والشجن في أروع صوره. كما أن فيروز منحتنا قصصًا صوتية غنية عن الزمن والمكان، بتعبيرها الرائع في أغاني مثل” كان عنا طاحونة”، التي غدت أيقونة للتراث الموسيقي اللبناني والعربي.

لم يكن الطرب القديم مجرد صوت يعزف على أوتار القلب، بل كان رسالة فنية متكاملة تشمل الإحساس، الشعر، واللحن المبني على مقامات عربية دقيقة، كما قدم وائل كفوري، مروان خوري، وإلسيا أمثلة معاصرة حافظت على هذا التراث، بالرغم من تغير الأزمنة وتباين الأجيال.
على الطرف الآخر، برزت في السنوات الأخيرة موجة جديدة من الفنانين الشباب مثل الشامي، الأخرس، بيسان إسماعيل، السيلاوي.. الذين يعتمدون أسلوبًا مختلفًا في الغناء. يتسم هذا الأسلوب بسرعة الإيقاع، وكلمات مختزلة وأحيانًا مبهمة، مع اعتماد كبير على الايقاعات الغربية والإنتاج الرقمي، مما يجعل كثيًرا من المستمعين يرونها فنًا “هابطًا” بعيدًا عن الروح الحقيقية للطرب.

أصبحت الأغاني الحديثة في نظر البعض نسخًا مقلدة ومشوهة من الفن الغربي، تهدف للاستهلاك السريع دون ترك أثر فني أو ثقافي دائم. من هنا تظهر كلمات وألحان بسيطة أحيانًا، كما في بعض الأغاني التي تروج لكلمات غير مترابطة أو تحمل رسائل سطحية.
ينظر كثيرون إلى هذه الظاهرة على أنها نتيجة للتغريب والعولمة، والتي بدورها تتهم بإفساد الذوق الفني وتفكيك الهوية الثقافية العربية. تلعب وسائل الاعلام دورًا مهمًا في ذلك، إذ تروج للرقص والإثارة على حساب الطرب والموسيقى ذات الجودة العالية. ولكن، هل يمكننا القاء اللوم فقط على الخارج؟
الوضع العربي السياسي والاقتصادي والاجتماعي والثقافي يمر بأزمات عميقة تؤثر في كل المجالات، ولا شك أن الفنون ليست بمعزل عن هذه التأثيرات. كما قال ابن خلدون، فإن الغناء أول ما ينهار في المجتمعات المتدهورة، وهو ما يفسر جزئيًا هذه الانحسار في جودة الفن.
على الرغم من الانتقادات، لا يمكن أن ننكر حق الأفراد في اختيار ما يستمعون اليه ويستمتعون به. كما يجب الاعتراف أن بعض الفنانين الشباب يسعون بالفعل الى الابتكار واستكشاف آفاق جديدة في الموسيقى والأداء. لكن المشكلة تكمن في تغليب الجانب التجاري على الجانب الفني، وتحول الفن الى سلعة مستهلكة سريعة الزوال، تفقد للروح والإحساس. كما أن بعض الأغاني أصبحت تروج لألفاظ وأفكار لا تتناسب مع الذوق العام والقيم الثقافية.
هناك مؤشرات إيجابية تشير الى إمكانية تحقيق توازن بين القديم والحديث، حيث بدأ بعض الفنانيين القدامى في التعاون مع الجيل الجديد، مما يعزز فرصة التلاقي بين الأصالة والتجديد، ويضمن بقاء التراث الموسيقي حيًا ومتجددًا.
لقد وصلت الموسيقى العربية الى مفترق طرق حرج، تتنازعها الأصالة والتجديد من جهة، والتسطيح التجاري والتقليد الأعمى من جهة أخرى. لم يعد الفن يُقاس بجودة الكلمة واللحن، بل بعدد المشاهدات وسرعة الانتشار، في زمن تحول فيه الطرب الى سلعة تستهلك وتنسى. المشكلة ليست في التجديد بحد ذاته، بل في غياب الذوق والتوجيه، وتراجع دور النقد والفكر الفني. فحين يغيب السؤال الحقيقي: لماذا نغني، ولمن؟، يصبح الفن صدى أجوف، بلا روح ولا أثر.


