وعود الإعمار في الضاحية الجنوبية لبيروت تتعثر… والسكان يعيشون فوق الركام

مبانٍ مهدّمة، وسُبل عيش ضاعت بين الركام، ووعود معلّقة بلا تنفيذ. هذا هو المشهدالعام في الضاحية الجنوبية منذ وقف إطلاق النار. فبحسب اتحاد بلديات الضاحية، تم تدمير 377 مبنى بشكل كلي و144 مبنى بشكل جزئي، فيما لاتزال أعمال الإعمار الكلي متوقفة، مع اقتصار التدخل على إزالة بعض الركام والإصلاحات الجزئية هنا وهناك. وبين الأطلال المهدمة، يعيش الأهالي واقعاً قاسيًا، حيث تغيب الدولة، وتتقدم المبادرات الفردية أو الحزبية في ملء الفراغ…ولكن إلى متى؟

بين الركام والوعود: معاناة الأهالي في انتظار الإعمار
في أحد شوارع حارة حريك، نُقل أثاث أحد المحلات من داخله المدمر إلىالرصيف أمامه، ويقول صاحبه: ” المتحدث باسم جيش الاحتلال قال إن تحت المبنى صواريخ، بس هو بالحقيقة موقف سيارات تحت الأرض “. يضيف أنالمبنى ذاته تهدم خلال حرب تموز، وتم ترميمه حينها، لكنه يرى أن الدولة اليوم تعرقل عملية اعادة الإعمار.

من الغبيري، يتحدث أحد الحلاقين عن تضرر محله وسكنه قائلًا:” عطونا ٥٠٠ دولار أجار البيت، بس نحنا عم ندفع فوقها اشتراك ماي وإنترنت “، مؤكدًا أن حزب الله ساعده ماليًا ليستأنف عمله. ويرى أن الدولة بحاجة لدعم خارجي لإتمام الإعمار:” ما فيها تغطي كل شي بلا دعم الأشقاء العرب أو الغرب “.
وفي الطيونة، يروي محمود جابر أن الانفجار ألحق أضرارًا جسيمة بمنزله،ويقول:” قدّروا أضرار البيت بـ ٩٠٠٠ دولار، عطوني ٢٠٠٠ بس وهيدا مابكفي“. بعد تقدمه باعتراض لدى جهاد البناء، أعادوا التقييم لكن دون تعويضجديد حتى الآن. ويضيف: ” أنا ضد الإعمار حاليًا، ما في ضمان ما يرجعوايقصفوا نفس المكان “

دلال ريا، من سكان المنطقة، تصف عودتهم إلى منزلهم المدمر قائلة: ” عطونا حزب الله ٨٠٠٠$ للعفش بس هيدا ما بكفي “. كل غرف النوم تدمرت، والمطبخ أيضًا، حتى أدوات الطهي“. وحصلت ريا على ٢٠٠٠ دولار بدل إيواء، بعد الحرب،ولكن ارتفاع الأسعار دفعهم للعودة والعيش فوق الأنقاض. وتتابع:” أنا مش قدرتي بصراحة، إذا بدي ارجع عمر بدي اتدين“. وبعد عدة زيارات من” جهاد البناء “، لم يبدأ أي ترميم فعلي حتى اليوم.


محمد حاوي من الغبيري، يقف أمام مبناه المدمر المكون من ثمانية طوابق، ويصفه بالخطر الداهم: ” ما بيترمم، لازم ينهدّ”. ويؤكد أن جهاد البناء دفع لهم بدل إيواء وتأثيث للسكن المؤقت، بينما المبنى يتهاوى تدريجيًا مهددًا المارين.ويختصر محمود رميتي أحد سكان المبنى نفسه الواقع بجملة صارخة:” اللي ما مات بالحرب رح يموت بالردم”، مشيرًا الى أنابيب غاز مهددة بالانفجار، وقطع باطون تنهار بشكل مفاجئ على السيارات.

وزينب عبود تعتبر أن الدولة “غائبة تمامًا وكأن الحرب وقعت في منطقة لا تخصها“. وتقول:” كل حيلتن هو سحب سلاح المقاومة”.
الحاج حسن: الاعمار متوقف بدون خطة واضحة
بين شهادات سكان الضاحية، يتكرر اسم “حزب الله” كجهة تعويض مباشرة. وتقول سلفانا رمضان من حي الأمريكان إن منزلها تهدم ليلة عيد الأضحى، وتصف المشهد بالكارثي: “صرنا نبكي بس شفنا البيت وبعدنا لهلق”. وتضيف بثقة:” نحن واثقين إنو رح يرجعولنا بيوتنا متل ما كانت“. أما جارتها فتروي كيف باتت تجمع ألعاب أطفالها من بين الركام “كرمال ما يزعلوا أكتر”.

النائب حسين الحاج حسن، عضو كتلة الوفاء للمقاومة، يرى أن الحكومة لم تقم بأي خطوة فعلية لإعادة الاعمار، رغم مطالبتهم المتكررة بوضع مخطط شامل للتعويضات. ويقول:” حتى الآن لا يوجد إحصاء رسمي للأضرار أو كلفة الإعمار“، مضيفًا أن بعض الجهات تضع أرقامًا ضخمة بهدف تأخير العملية.
وفيما يخص الضغوط السياسية، يشير إلى أن “العدو الصهيوني والإدارة الأمريكية يربطون بوضوح بين الاعمار وتسليم السلاح”، معتبرًا أن الترميم فقطهو كل ما يحدث حاليًا، ولا إعادة اعمار فعلية.
“بيروقراطية الدولة تعرقل إزالة الردم وترميم المباني”
محمد خليل، المدير التنفيذي لشركة “ترديكا” اللبنانية المتخصصة في ازالة الردم ومعالجة الأبنية المتضررة، سواء من خلال القص أو الهدم الكلي. يوضح أن بعض المباني تحتاج الى هدم كامل، وأخرى تتطلب ترميم جزئي، فيما تقتصر الأضرار في بعض الحالات على المرافق المشتركة فقط. ويشير خليل، الذي تتعاون شركته مع حزب الله، الى التحديات اللوجستية التي تعيق عملهم قائلًا:” لا يمكن استخراج أكثر من مليون متر مكعب من الردم خلال دوام عمل محدود تحدده الدولة، دون الأخذ بعين الاعتبار حجم الردم الهائل”.
ويؤكد خليل التزامهم بشروط الصحة العامة والسلامة من خلال وضع سواتر تمنع انتشار غبار الركام، ورش المياه لتقليل الأضرار، واستخدام الآلات الخفيفة، بالإضافة الى التنسيق مع الجهات المختصة عند وجود مخلفات أو ذخائر حربية. لكنه يرى، أن الإجراءات البيروقراطية التي تتبعها الدولة تعرقل عملهم، متسائلا:” هل ردم النفايات بالبحر مفيد أكثر أم إعادة تدويرها“.
وأشار خليل أيضًا الى ان الدولة قامت بحجز بعض من آلاتهم ومعداتهم، وأوقفتهم عن العمل لفترة معينة لأسباب غير واضحة.
“الدولة غائبة” والاتحاد يتولى مهمة الإعمار
يشير محمد درغام، رئيس اتحاد بلديات الضاحية الجنوبية، الى أن عملية إزالةالركام لم تكتمل بعد، حيث تم رفع الأنقاض من ٢٤٩ مبنى فقط من أصل ٢٩٩ مبنى مهدم كليًا، بينما لا يزال ٣١ مبنى قيد الهدم. ويقول درغام:” الدولة حولت سلفة خزينة وعم نشتغل بآلاتنا ومعداتنا الخاصة”، منتقدًا غياب الدولة اللبنانية:” ما كلفت نفسها حتى زيارة الضاحية للبحث في الأضرار“.
ويؤكد درغام أن الدولة لا تبدي اهتمامًا بموضوع البنى التحتية، وأن الاتحادهو من يقوم بمبادرات تصليحها، مشيرًا الى أنه لا يوجد أي جهد جدي من قبل الدولة”، مضيفًا أن ما يحصل هو ترميم وإعادة اعمار جزئية بعيدًا عن أي دور فعلي للدولة اللبنانية في البنية التحتية.

اعمار معلق ودعم مشروط
رغم تشكيل حكومة وانتخاب رئيس للجمهورية، لا يزال ملف إعادة الإعمار معلّقًا. البيان الوزاري شدد على الشفافية والحاجة إلى دعم دولي، فيما قدّر الرئيس نواف سلام الكلفة بأكثر من 10 مليارات دولار دون أرقام دقيقة، بينما أشار البنك الدولي إلى أعباء مالية كبرى للتعافي.
وفي محاولة لتحريك الملف، عيّن رئيس الجمهورية الوزير السابق علي حمية مستشارًا لشؤون الإعمار. وأكد الرئيس عون في تصريح أخير أن قرار حصر السلاح بيد الدولة قد اتُّخذ ولا رجوع عنه. زيارة الموفد الأميركي توماس باراك حدّدت الإطار السياسي للدعم، مشددًا على ترسيم الحدود وحصر السلاح بيد الدولة كشرط مسبق لأي مساعدة.
في ظل غياب الدور الفاعل للدولة، تتولى المبادرات الفردية والحزبية سدّ الفجوة، إلا أن الإعمار الشامل لا يزال بعيد المنال. تعيق البيروقراطية المتجذرة، والانقسامات السياسية المستمرة، والضغوط الخارجية، تحقيق تقدم ملموس في الملف، مما يوقعه في حالة جمود مستمرة. وفي هذا المناخ المعقد، يبقى السكان على مقصلة الانتظار، متسائلين عمّا إذا كانت الوعود الرسمية ستترجم إلى خطوات عملية، أم سيظل الإعمار هدفًا بعيد المنال يتأجل مع الوقت.