انتخابات جنوب لبنان: هل تنتصر الآمال على التحديات؟

رغم الحرب والدمار والاعتداءات الإسرائيلية المتكررة، أصر أبناء جنوب لبنان على المشاركة في الانتخابات البلدية والاختيارية، متحدين المخاوف والضغوط الأمنية. جاءت نسبة المشاركة الجيدة تعبيرًا عن إرادة الحياة والتشبث بالأرض، لتتحول العملية الانتخابية من مجرد استحقاق ديمقراطي الى فعل مقاومة ورسالة واضحة: الجنوب، رغم الألم، لا يزال ينبض بالكرامة والصمود

رسائل من صناديق الاقتراع: إقبال وتحدٍ للعدوان
في عدد من مراكز الاقتراع، كمركز مدرسة سمير كريكر الرسمية في النبطية المخصص لأهالي بلدة العديسة،سجل إقبال كثيف منذ ساعات الصباح الاولى. الحضور الشعبي عكس حجم التحدي الذي أراده المواطنون في مواجهة الخطر اليومي. تقول نسرين مرعي، إحدى المشارِكات، إن تصويتها جاء تأكيدًا على حقها الطبيعي،ووفاءً لدماء الشهداء، بينما عبر علي أمين عن الأمل المشترك:”بدنا نرجع عالضيعة…هني وعدونا“.

حشود الناخبين أمام مدرسة سمير كريكر. ..
أصوات التغيير: وجوه شابة وكوادر مستقلة
برزت في الانتخابات هذه السنة مشاركة شبابية لافتة، مع تنوع في التمثيل بين النساء والرجال، وهو ما أثنى عليه العديد من الناخبين. كما شهدت العملية الانتخابية صعودًا لحملات مستقلة بعيدًا عن الأحزاب التقليدية، تطرح خطابًا اصلاحياً يحمل السلطة السابقة مسؤولية التدهور والإهمال في القرى الجنوبية.
المرشحة المستقلة أية سرحان، من بلدة العديسة، قالت:” الواقع ليس احتفاليًا، بل كارثي، هناك خراب ودمار، وإذاستمرت الهيمنة السياسية نفسها، فإن الضغط سيزداد”. سرحان طالبت الدولة بتحمل مسؤولياتها، مؤكدة أن الخطة الإصلاحية طويلة الأمد، وتبدأ بمساعدة النازحين والمشردين من قراهم.

جنوب منهك، ولكن حاضر
الواقع الميداني لا يمكن اغفاله: ٣٧ بلدة حنوبية تم محوها بالكامل، وأكثر من ٤٠ ألف وحدة سكنية دمرت منذ بداية التصعيد، وفق ما ذكرت وكالة الأنباء اللبنانية. مع ذلك حضر الناخبون من مختلف الأعمار، بمن فيهم كبار السن والمقعدون إلى مراكز الاقتراع حاملين الأمل بالعودة والبناء. يقول أحد المسنين، بعينين دامعتين:” حلمي بس اقعد بالعديسة… ما تبكوني.” بينما اعتبرت فاطمة عبود من كفركلا أن ” الاقتراع خارج البلدة صعب جدا، كفركلا بتعز علينا..

أهالي كفركلا يحملون روح قريتهم إلى النبطية… شاهد الفيديو
نسبة الاقتراع والتنظيم: انتظام رغم الظروف
أشارت مصادر في مراكز الاقتراع الى أن نسبة المشاركة بلغت حوالي 35% في وقت مبكر، وسط توقعات بارتفاعه لاحقًا. العملية الانتخابية سارت بانتظام، من دون تسجيل خروقات تذُكر، بحسب ما أفاد به عدد من رؤساء الاقلام الانتخابية. هذا التنظيم اللافت رغم الظروف الامنية واللوجستية الصعبة، يعكس إرادة المواطنين من تثبيت حضورهم السياسي ورفضهم التهميش أو الإقصاء.
خطط تنموية معلقة وأمل في التغيير
المرشح محمد رمال عن لائحة “التنمية والوفاء ” في بلدة العديسة، قال إن الرسالة لأساسية هي إثبات القدرة على المشاركة الديمقراطية رغم العدوان. وأضاف:”هدفنا الأساسي إعادة الناس الى قراهم والعمل ضمن خطة إنمائية مدروسة، والدولة يجب أن تكون على مستوى هذه المسؤولية ” .
وفي ظل الغياب الواضح للدولة عن المشهد الجنوبي، أكد بعض المرشحين المستقلين أنهم يعملون بإمكانيات محدودة لتأمين حاجات الناس، بانتظار خطة شاملة تعيد الحياة الى المناطق الأمامية المحاذية للحدود.

الجنوب ينتخب… ولكن الى اين؟
ورغم كل المؤشرات الإيجابية من حيث المشاركة والتنظيم والإصرار الشعبي، فإن واقع الجنوب مازال على حاله: لا اعمار، لا عودة فعلية، ولا خطط إنمائية واضحة من الدولة. ما جرى في صناديق الاقتراع هو شهادة على الصمود والمقاومة، لكنه أيضًا دعوة مفتوحة الى الدولة اللبنانية والمجتمع الدولي لتحمل المسؤولية تجاه منطقة دفعت أثمانًا باهظة في سبيل الوطن .الجنوب لا يزال يأمل… والانتخابات كانت صوته.
