التربية الجنسية… حاجة وليست خيارًا

تُعدّ التربية الجنسية من المواضيع الحساسة والمثيرة للجدل في المجتمعات العربية، رغم أهميتها في تشكيل وعي صحي لدى الأفراد منذ سن مبكر. وخصوصًا في ظلّ التطورات الرقمية المتسارعة وتزايد المحتوى الجنسي المتاح عبر الإنترنت، الذي يواجه الأطفال والمراهقون من خلاله خطر الحصول على معلومات مغلوطة أو غير مناسبة لأعمارهم.. وبين دعوات التثقيف ومخاوف التأثير على القيم، يبرز السؤال: كيف نوازن بين الحاجة للتوعية وحماية الهوية الثقافية؟
وللإجابة على هذا السؤال تطرقنا للحديث مع المرشدة التربوية باختصاصية علم نفس التربوي فاطمة محمد شكر، لتطلعنا على تفاصيل أكثر حول الموضوع والأساليب التي يجب أن يتبعها الأهل والمؤسسات التربوية باعتبار التربية الجنسية حق للطفل… ومكانها الطبيعي داخل المدرسة والأسرة.

وفي هذا السياق، بدأت المرشدة التربوية فاطمة شكر حديثها بأن التربية الجنسية لم تعد ترفًا، بل أصبحت ضرورة تربوية وصحية واجتماعية، يجب أن تُدرَج بشكل علمي في المناهج، وتُعالج بروح منفتحة من قِبل الأهل والمربين.
التربية الجنسية: تعريف ومراحل
تشرح شكر أن التربية الجنسية تعني “تعريف الطفل بالفروقات البيولوجية والاجتماعية بين الجنسين، ودور كل منهما في المجتمع، والمهارات التي تساعده في حماية نفسه جنسيًا، وفقًا لمرحلته العمرية”.
وتوضح أن هذه المفاهيم يجب أن تُقدَّم تدريجيًا، بلغة مناسبة لكل فئة عمرية، دون تهويل أو تقصير، مؤكدة أن الطفل من حقه أن يتلقى هذه المعرفة من مصادر موثوقة، لا من منصات التواصل أو أقرانه.
التربية الجنسية داخل المناهج… ضرورة لا بد منها
تشدد شكر على أهمية وجود مادة واضحة داخل المناهج التعليمية، تُعالج التربية الجنسية بشكل مباشر وصريح، مشيرة إلى أن “المعلومات المغلوطة التي يتلقاها الطفل من الإنترنت قد تترك آثارًا نفسية وسلوكية طويلة الأمد”.
وترى أن المدرسة تلعب دورًا أساسيًا في توجيه الطفل، إلى جانب الأهل، خصوصًا في حال كان هناك مساحة آمنة للسؤال والنقاش مع المعلمين.

كسر حاجز الصمت… مسؤولية مجتمعية
وفيما لا تزال مجتمعاتنا تتعامل مع التربية الجنسية بتحفّظ، ترى شكر أن هذا الصمت يفتح الباب واسعًا أمام المفاهيم المغلوطة. وتقول:”يظن البعض أن الحديث عن هذه المواضيع يفتح أعين الأطفال على أشياء لا يجب معرفتها، لكن العكس هو الصحيح. الطفل قد يعرف، ولكن بطريقة مشوهة وخاطئة”.
وتدعو الأهل والمربين إلى كسر حاجز الخجل، وإعطاء الطفل المساحة لطرح أسئلته، مؤكدة أن المعرفة لا تُفسد، بل تحصّن وتبني.
فهم مغلوط لأدوار الجنسين
تسلّط شكر الضوء على الإشكاليات المتجذّرة في فهم أدوار الجنسين في بعض البيئات، موضحة أن كثيرًا من الفتيات يتلقين صورة خاطئة عن أنفسهن، وكذلك الأولاد الذين يتربّون على الشعور بالقوة أو السلطة المفرطة دون إدراك لمشاعرهم أو لحدودهم.
وترى أن تصحيح هذه المفاهيم ضرورة تبدأ من المدرسة والأسرة، وتشمل إعادة تعريف “الدور الاجتماعي” بطريقة متوازنة.
صدمة الجهل… وتحديات التربية
من أكبر التحديات، بحسب شكر، هو ضعف تواصل الأهل مع أطفالهم في هذه المواضيع الحساسة. وتشير إلى أن الكثير من الأهل يفتقرون للمعرفة اللازمة، لأنهم لم يتلقوا هذه التربية بدورهم في صغرهم، ما يخلق جيلًا جديدًا من الأهل غير المجهزين لمواجهة الأسئلة الجنسية التي يطرحها أبناؤهم.
وتقترح في هذا السياق تقديم دورات تدريبية وتثقيفية للأهل في المدارس والمراكز المختصة، تساعدهم على فهم كيف ومتى وأين يناقشون أبناءهم، بطريقة صحيحة وآمنة.

مراعاة الخصوصيات المجتمعية والدينية
وفيما يخص تطبيق التربية الجنسية في المناهج، توضح شكر أن الأمر لا يمكن أن يتم بنمط واحد، بل يجب أن يراعي الفروقات الثقافية والدينية. وتقول: “عند التطبيق على أرض الواقع، يجب أن نحترم معتقدات كل مجتمع، ونختار الطريقة الأنسب لإيصال الرسالة، دون التنازل عن جوهر المعرفة الصحيحة”.
تطورات إيجابية… ولكن غير كافية
تعترف شكر أن السنوات الأخيرة شهدت تحسّنًا في انفتاح الأهل والمؤسسات التربوية على التربية الجنسية، مشيرة إلى أن الأهل باتوا يلفتون انتباه أطفالهم منذ عمر الثالثة أو الرابعة إلى حدود الجسد وأهمية الحماية من التحرش، وهو أمر لم يكن يحدث سابقًا.
لكنها في الوقت نفسه تؤكد أن هذه الجهود ما تزال محدودة ومجزأة، وتحتاج إلى إطار مؤسسي يضمن وصول التربية الجنسية لكافة الأطفال دون استثناء.
أزمة المعلومة الرقمية… وانعدام التوجيه
تعتبر شكر أن غياب التربية الجنسية المنظمة، في مقابل الانفجار الرقمي، يشكّل خطرًا كبيرًا. فالمراهقون يتعرّضون يوميًا لمحتوى جنسي ومثيرات بصرية دون مرجعية توجيهية، ما قد يؤدي إلى مشاكل نفسية وسلوكية، من أبرزها، الإحباط والكآبة، العدوانية تجاه الأسرة والمجتمع، وتبنّي مفاهيم خاطئة حول العلاقات والهوية الجنسية.
حالة تحرّش… ومعالجة واعية
تكشف شكر عن تعاملها مع حالة تحرّش جنسي في المدرسة، حيث سارعت إلى إبلاغ الأهل والتعامل مع الوضع برعاية نفسية، عبر إحالة الطفل إلى طبيب مختص، لتحديد حجم التأثر والمساعدة في تجاوز التجربة دون أن تترك أثرًا طويل الأمد على الهوية الجنسية للطفل.
الاستغلال الجنسي الرقمي… الخطر الجديد
تحذّر شكر من تصاعد أشكال الاستغلال الجنسي الرقمي، موضحة أن بعض الفتيات يُطلب منهن إرسال صور أو فيديوهات مقابل “دعم” مادي عبر البث المباشر على منصات مثل تيك توك.
وتقول: “هذا استغلال جنسي واضح، لكنه بات يُقدّم بمسميات زائفة كالدعم والصداقة. الفتيات لا يدركن أنهن ضحايا، لأن الفكرة غُلّفت بشكل مادي ونفسي مقبول”.
وترى أن هذه الظواهر تتطلب رقابة ذكية ومستمرة من الأهل، إلى جانب التوعية الدقيقة للأبناء حول ما هو مسموح ومرفوض في تفاعلهم الرقمي.
الحل… توعية الأهل وتثقيفهم
في ختام حديثها، تدعو شكر الأهل إلى التمسك بثلاث مبادئ أساسية لحماية أبنائهم، اللجوء إلى مختصين للحصول على المعلومة التربوية الصحيحة، تثقيف الذات بالقراءة والدورات لأن التربية الجنسية علم متجدد، وفتح مساحة آمنة للحوار داخل البيت دون خوف أو خجل.
وتقول: “حين يشعر الطفل بالأمان، سيلجأ إلى والديه في أي موقف. هذا هو خط الدفاع الأول”.
تظهر المقابلة مع المرشدة التربوية فاطمة شكر أن التربية الجنسية ليست ترفًا، بل ضرورة مجتمعية وصحية. من خلال الحوار المفتوح والتثقيف المستمر، يمكننا بناء جيل واعٍ قادر على مواجهة تحديات العصر بثقة وأمان.